الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

155

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

حياته ، فدعا ذلك بعض النّاس إلى سؤاله عن ذلك . روى البخاري أنّ أبا جحيفة سأل عليّا : هل عندكم شيء ما ليس في القرآن وما ليس عند النّاس ، فقال : « لا والّذي فلق الحبّة وبرأ النّسمة ما عندنا إلّا ما في القرآن إلّا فهما يعطى رجل في كتاب اللّه وما في الصحيفة ، قلت : وما في الصّحيفة ، قال : العقل ، وفكاك الأسير ، وأن لا يقتل مسلم بكافر » . وحديث مسروق عن عائشة الّذي سنذكره ينبئ بأنّ هذا الهاجس قد ظهر بين العامّة في زمانها . وقد يخصّ الرّسول بعض النّاس ببيان شيء من الأحكام ليس من القرآن المنزّل إليه لحاجة دعت إلى تخصيصه ، كما كتب إلى عليّ ببيان العقل ، وفكاك الأسير ، وأن لا يقتل مسلم بكافر ، لأنّه كان يومئذ قاضيا باليمن ، وكما كتب إلى عمرو بن حزم كتاب نصاب الزّكاة لأنّه كان بعثه لذلك ، فذلك لا ينافي الأمر بالتّبليغ لأنّ ذلك بيان لما أنزل وليس عين ما أنزل ، ولأنّه لم يقصد منه تخصيصه بعلمه ، بل قد يخبر به من تدعو الحاجة إلى علمه به ، ولأنّه لمّا أمر من سمع مقالته بأن يعيها ويؤيّديها كما سمعها ، وأمر أن يبلّغ الشّاهد الغائب ، حصل المقصود من التّبليغ ؛ فأمّا أن يدع شيئا من الوحي خاصّا بأحد وأن يكتمه المودع عنده عن النّاس فمعاذ اللّه من ذلك . وقد يخصّ أحدا بعلم ليس ممّا يرجع إلى أمور التّشريع ، من سرّ يلقيه إلى بعض أصحابه ، كما أسرّ إلى فاطمة - رضي اللّه عنها - بأنّه يموت يومئذ وبأنّها أوّل أهله لحاقا به . وأسرّ إلى أبي بكر - رضي اللّه عنه - بأنّ اللّه أذن له في الهجرة . وأسرّ إلى حذيفة خبر فتنة الخارجين على عثمان ، كما حدّث حذيفة بذلك عمر بن الخطّاب . وما روي عن أبي هريرة أنّه قال : حفظت من رسول اللّه وعاءين ، أمّا أحدهما فبثثته ، وأمّا الآخر فلو بثثته لقطع منّي هذا البلعوم . ومن أجل ذلك جزمنا بأن الكتاب الّذي همّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم بكتابته للنّاس ، وهو في مرض وفاته ، ثمّ أعرض عنه ، لم يكن فيما يرجع إلى التشريع لأنّه لو كان كذلك لما أعرض عنه واللّه يقول له : بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ . روى البخاري عن عائشة - رضي اللّه عنها - أنّها قالت لمسروق : « ثلاث من حدّثك بهن فقد كذب ، من حدّثك أنّ محمّدا كتم شيئا ممّا أنزل عليه فقد كذب ، واللّه يقول : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ الحديث . وقوله : وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ جاء الشّرط بأن الّتي شأنها في كلام العرب عدم اليقين بوقوع الشرط ، لأنّ عدم التّبليغ غير مظنون بمحمّد صلى اللّه عليه وسلّم وإنّما فرض هذا